أخبار

اختفاء الكاتب الجزائري بوعلام صنصال: شهادة الماضي وصدام

اختفاء الكاتب الجزائري بوعلام صنصال: شهادة الماضي وصدام

اختفاء الكاتب الجزائري بوعلام صنصال: شهادة الماضي وصدام المستقبل
كتب ضاحى عمار
في سياق سياسي متوتر بين باريس والجزائر، تصاعدت حدة الجدل إثر اختفاء الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال، البالغ من العمر 75 عامًا، بعد توقيفه من قبل السلطات الجزائرية بمطار الجزائر العاصمة. هذا التوقيف جاء بعد تصريحات أدلى بها صنصال في مقابلة مع مجلة فرنسية، أثار فيها ملف “الصحراء الشرقية” وأعاد تسليط الضوء على قضية تاريخية طالما كانت مصدر توتر بين الجزائر والمغرب، متهمًا الاستعمار الفرنسي بانتزاع أراضٍ مغربية لصالح الجزائر
غضب الجزائر وصمتها الرسمي لم تقدم الجزائر أي تفسير رسمي واضح عن مصير صنصال منذ توقيفه، في حين أشارت وكالة الأنباء الجزائرية إلى توقيفه دون تقديم تفاصيل إضافية. اعتبرت تصريحات صنصال بشأن الصحراء الشرقية بمثابة “تجاوز للخطوط الحمراء”، حيث يرى البعض أنها مست بمفهوم “وحدة الوطن”، مما يضع الكاتب أمام اتهامات قد تصل إلى المساس بسيادة الدولة.
التوتر بين البلدين ليس جديدًا، فقد سبق وأن كانت قضية الصحراء الشرقية (المناطق التي تضم تندوف وبشار وأدرار) محورًا للنزاع. هذه المناطق التي كانت تخضع لسيادة المغرب تاريخيًا بموجب الولاء للسلاطين المغاربة، باتت جزءًا من الجزائر بموجب ترتيبات استعمارية فرنسية، أبرزها معاهدة لالة مغنية عام 1845 واتفاقيات 1901-1902.
من الجانب الفرنسي، عبّرت الرئاسة عن قلقها إزاء “اختفاء” صنصال، موضحة أن أجهزة الدولة مستنفرة لكشف ملابسات الوضع. هذا القلق الرسمي عكسته تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون الذي وصف القضية بأنها “مزعجة للغاية”. كما انضمت دار النشر الفرنسية “غاليمار” إلى قائمة المطالبين بالإفراج عن الكاتب، معبرة عن “قلق عميق” من غموض مصيره
اختفاء صنصال يثير تساؤلات أوسع حول حرية التعبير في الجزائر. لطالما كان الكاتب صوتًا معارضًا للتشدد الديني والاستبداد السياسي. لكن حديثه الأخير حول الصحراء الشرقية جعل من قضيته أكثر تعقيدًا، حيث تداخلت الجوانب الثقافية والسياسية مع الإرث التاريخي للصراع الجزائري المغربي.
كتاب فرنسيون وجزائريون بارزون أدانوا توقيف صنصال. الكاتب كمال داود وصف الحادثة بأنها تجسيد لمعاناة الجزائر كلها، بينما دعا الروائي الطاهر بن جلون إلى الإفراج الفوري عنه، معتبرًا أن مكان المثقف هو على طاولة النقاش، وليس خلف القضبان.
فرنسا والجزائر: إرث استعماري ملتهب
التوتر القائم بين الجزائر وفرنسا يكتسب أبعادًا أوسع. رغم محاولات التهدئة بين البلدين، إلا أن قضايا مثل الاستعمار، الهوية الوطنية، والنزاعات الحدودية، لا تزال قيد الجدل. تصريحات صنصال تأتي كحلقة جديدة في سلسلة النزاعات التي تُظهر استمرار تأثير الإرث الاستعماري على العلاقات المعاصرة
الموقف الفرنسي المدافع عن صنصال أثار غضب الجزائر، التي وصفت الكاتب بأنه “دمية التيار التحريفي المعادي للجزائر”، معتبرة أن فرنسا تتعمد التدخل في شؤونها الداخلية.
بوعلام صنصال ليس غريبًا عن الجدل. منذ روايته الأولى “Le Serment des Barbares”، أثبت نفسه كصوت صريح ضد الفساد والتطرف الديني. كتاباته تتجاوز المحرمات، بدءًا من نقد النظام التعليمي الجزائري إلى التحذير من الإسلام السياسي في أوروبا. لكن آراؤه السياسية، خاصة تلك المتعلقة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني وزيارته لإسرائيل عام 2014، أكسبته أعداءً في الداخل والخارج.
في كتابه : نهاية العالم وجه انتقادات للتطرف الديني، محذرًا من خطره على الديمقراطيات الغربية. رغم شعبيته في بعض الأوساط الأدبية الفرنسية، وُجهت له اتهامات بالإسلام وفوبيا، وهو ما ينفيه باستمرار.
قضية اختفاء صنصال تعكس صورة أعمق للتحديات التي تواجه المثقفين في الجزائر. بينما تستمر العلاقات الجزائرية الفرنسية في دوامة من التوتر، يبقى السؤال: هل يمكن أن تشكل هذه الحادثة نقطة تحول؟
المواقف المتباينة حول تصريحات صنصال تُظهر أن النقاش حول الصحراء الشرقية ليس مجرد خلاف تاريخي، بل قضية تحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية لكلا البلدين. بالنسبة للمغرب، يُنظر إلى الصحراء الشرقية كجزء من هويته التاريخية والسيادية، بينما ترى الجزائر في أي حديث عنها مساسًا بوحدة أراضيها.
في هذا السياق، تصبح حرية التعبير أكثر أهمية من أي وقت مضى. هل يمكن لمثقفي المنطقة أن يناقشوا قضايا حساسة دون خوف من الرقابة أو القمع؟ وهل يمكن للأنظمة السياسية في المنطقة أن تتحلى بالمرونة لقبول النقاش الحر في إطار الاحترام المتبادل
فى النهاية الماضي يُلقي بظلاله على الحاضر قضية صنصال ليست مجرد حكاية عن كاتب اختفى في ظروف غامضة. إنها تعبير عن صراع أكبر بين الماضي والحاضر، بين حرية التعبير والسيطرة السياسية، وبين الهوية الوطنية والإرث الاستعماري.
ستبقى هذه القضية نقطة اختبار ليس فقط للعلاقات الجزائرية الفرنسية، بل أيضًا لقدرة المنطقة على مواجهة قضاياها الشائكة بحوار صريح ومفتوح. في عالم تسوده الأزمات السياسية والتوترات الحدودية، تبقى حرية الكلمة واحدة من أهم المعارك التي ينبغي الدفاع عنها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى